عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
173
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
تعلق لها إلا بالجانب الإلهي لأنها نسخة ذلك الكتاب المكنون ومفتاح ذلك السر المصون المخزون ، فلا التفات لها إلى سواه ولا تشوّق لها إلى ما عداه ، لأن الشيء لا يرجع إلا إلى أصله ، ونوى التمر لا ينبت من غرسه إلا عود نخله ، وكل من تعلق بالأكوان تعلقا ما فإن تعلقه لا يسمى همة بل هما ؛ وفائدة هذا الكلام أن الهمة في نفسها عالية المقام ليس لها بالأسافل إلمام ، فلا تتعلق إلا بجناب ذي الجلال والإكرام ، بخلاف الهمّ فإنه اسم لتوجه القلب إلى أيّ محل كان ، إما قاص ، وإما دان ، فإذا فهمت ما أشارت إليه العبارة وعرفت ما عبرت عنه الإشارة ، فاعلم أيضا أن الهمة وإن علا مكانها وعظم شأنها هي الحجاب للواقف معها فلا يرتقي حتى يدعها ، والسيد من يرتقى عنها قبل معرفة أسرارها وذوق ثمارها ، فإنها قاطعة مانعة ، أعني لمن وقف مع محصولها ، قاطعة لمن جفاها قبل وصولها ، أعني لا سبيل إلا إليها ولا طريق إلا عليها ، ولكن لا مقام عندها ولديها ، بل ينبغي الجواز عنها بعد قطع المجاز منها ، فالحقيقة من ورائها والطريقة على فضائها ، لأن الحصر لا حق لها والحد واثق بها ، واللّه منزّه عن الحد والحصر ، مقدس عن الكشف والستر . ولما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أم الكتاب ، والمعنى دون غيره بالخطاب ، فافهم إن كنت من أولى الألباب ، وخلق اللّه منه جميع العالم كانت كل رقيقة منه أصلا لحقيقة من حقائق الأكوان ، وكان بجملته مظهرا لجملة الرحمن ، خلق اللّه روحا من نور همته اللاحق وسعها وسع رحمته ، فصير ذلك الروح ملكا وجعل مقادير القوابل له فلكا ، ثم وكله بإيصال كل مرزوق رزقه وإعطاء كل ذي حق حقه ، لأنه الرقيقة المحمدية المخلوقة من الحقيقة الأحدية ، فلما استقام مقام الموكل الوكيل ، وأقسط في إعطاء كل ذي حق حقه قسط من يزن أو يكيل ، إذ بالخطاب الجميل ، من المقام الجليل ، يسمى هذا الروح ميكائيل ، فهو من الأزل إلى الأبد يحصر المقادير ويعرف العدد ويمد كلا بما استحقه من المدد ، أجلسه اللّه على منبر الفضل فوق الفلك الخامس ، وأعطاه قسطاس العدل وقانون المقايس ، ويكنى عن المنبر بالفيض المقابل وبالقسطاس بما استحقه القوابل ، فتأمل رموز هذه العبارات ، واستخرج ما فيها من كنوز الإشارات تحظ بالحكمة وفصل الخطاب ، واللّه يقول الحق وهو يهدي إلى الصواب .